عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
501
اللباب في علوم الكتاب
فصل في معاني كلمة « أمة » قد جاءت الأمة على خمسة أوجه : الأوّل : « الأمّة » الملّة ، كهذه الآية ، أي : ملّة واحدة ، ومثله : وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً [ المؤمنون : 52 ] أي : ملتكم . الثاني : الأمّة الجماعة ؛ قال تعالى وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ [ الأعراف : 181 ] أي : جماعة . الثالث : الأمّة السنين ؛ قال تعالى : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [ هود : 8 ] ، أي : إلى سنين معدودة ، ومثله « وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ » أي : بعد سنين . الرابع : بمعنى إمام يعلّم الخير ؛ قال تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ [ النحل : 120 ] . الخامس : الأمّة : إحدى الأمم ؛ قال تعالى : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [ آل عمران : 110 ] ، وباقي الكلام على ذلك يأتي في آخر « النحل » عند قوله تعالى : إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [ النحل : 120 ] . فصل في المراد بالأمة ، وهل كانوا على الحق ؟ ومتى اختلفوا ؟ واختلف المفسّرون على خمسة أقوال : القول الأول : أنهم كانوا على الحقّ ، وهو قول أكثر المحققين ؛ قال القفّال « 1 » : لأنّه تعالى قال بعده : « فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ » ف « الفاء » في قوله : « فبعث اللّه » تقتضي أن يكون بعثهم بعد الاختلاف ، فلو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر لكانت بعثة الرسل قبل الاختلاف أولى ؛ لأنّهم لما بعثوا ، وبعض الأمّة محقّ وبعضهم مبطل فلأن يبعثوا عند كون الجميع على الكفر أولى . وأيضا فإن آدم - عليه السّلام - لما بعث إلى أولاده ، كانوا مسلمين مطيعين ، ولم يحدث بينهم اختلاف في الدّين ، إلى أن قتل قابيل هابيل ؛ بسبب الحسد والبغي ، وهذا ثابت بالتواتر ، فإنّ الناس - وهم : آدم وحوّاء ، وأولادهما - كانوا أمّة واحدة على الحق ، ثم اختلفوا ؛ بسبب البغي ، والحسد ، كما حكى اللّه تعالى عن ابني آدم بالحق إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ [ المائدة : 27 ] وأيضا قوله - عليه السلام - : « كلّ مولود يولد على الفطرة ؛ فأبواه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجّسانه » فدلّ ذلك على أنّ
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 11 .